|
لسنا، كمواطنين بسطاء، دأبت السلطة ومن والاها على تحويل عقولنا وأجسادنا إلى حقول تجارب، بحاجة أن نكون فقهاء دستوريين أو تلامذة عند موريس دي فرجيه أو عبد الرزاق السنهوري، حتى نعرف أو نستنتج أن أزمتنا ليست في الدساتير أو القوانين· كما أننا لسنا بحاجة أن نكون >خياطين إيطاليين< حتى ندرك أن التعديلات الدستورية كلها ليست للجزائر إنما لواضعيها على المقاس بالفاصلة والنقطة والفقرة والمادة · والحقيقة أن واقعنا يتجاوز بكثير مرجعياتنا القانونية كونها ليست نابعة عنه·· كما أن قوانيننا أكبر من مسنيها ومن يفترض فيهم القيام بتنفيذها· ولذلك فسوسيولوجيا الواقع والأزمة أهم من الخطابات المرضية للساسة، وديناميكية المجتمع على فوضاه أعمق من برودة القوانين والتشريعات الجامدة· ولذلك، ظل سؤال الدستور مطروحا، بوصفه رمزا >للقانونية والشرعية<، من زاوية ما يريده النظام الحاكم وليس أبدا ما يرتضيه الشعب كمصدر وهمي أول للسلطات · إن الدستور بوصفه روح الأمة تعبير عن ارتقاء ثقافي وسياسي مجتمعي وليس ارتجالا سلطويا متكررا· إنه فضاٌّء القيم والحريات والثوابت وحقول الإجماع وفرص التعايش بين الأفراد والأحزاب والدولة وليس الخروقات والانتهاكات·· إنه شرعية وسلطة الشعب على الأجهزة والمؤسسات والأفراد ومرجعية الأمة في خياراتها وإدارة حكمها·· إنه، أي الدستور، بوجيز القول جملة القوانين الأساسية التي تحدد شكل ونوع النظام السياسي، وتدير العلاقات الطبيعية والإستثنائية في السلم والحرب بين ذات النظام والمجتمع والمحيط الخارجي علاوة على تنظيم وظائف وصلاحيات السلطات العمومية · وإذا كان الأمر كذلك، ولا أعتقد أن هناك من يخالف هذا التعريف المعجمي القانوني، فأيهما أهم صياغة دستور مثالي أم احترامه وتنفيذه؟ وأيهما أخطر على كيان الدولة مخالفة الدستور أو تجميده أم نقائصه؟ إن الدولة التي تضطر دائما للتكيف مع انحرافات السلطة بل وتخضع لها روحيا وقانونيا لا يمكن أن تستمر أو أن تعامل على أنها كذلك داخليا وخارجيا·· لأنها ستظل مهزوزة الدعائم مرهونة بالظروف والإتجاهات والمصالح·· ستنهار لا محالة على المستوى الرمزي وفي المخيال الاجتماعي وكذلك تنظيميا وإجرائيا حتى وإن كانت من الناحية الشكلية تمتلك >مؤسسات< و>قوانين< و>دستورا<، فمشكلة السلطة والأحزاب والحريات والشعب ليست بسبب >الدستور< أو غياب النصوص الفقهية·· إنما بسبب القائمين عنوة على نظام الحكم · إن الذين يتحدثون اليوم عن ضرورة مراجعة الدستور لا ينطقون من خوفهم على >المصدر الأول< للقوانين في البلاد ولا على الدولة ذاتها·· إنما يبحثون عن آليات أخرى لتعزيز شكل السلطة الحالية وتوفيرها على جسر قانوني نحو المستقبل المفتوح على كل الرهانات· وهم بذلك لا يكسرون شوكة الدولة فقط إنما يجعلون من الدستور القادم غطاء لفساد اليوم·· وهو بالكاد مبرر كاف لكل أشكال >الإنقلاب السياسي والدستوري< مستقبلا · وكما سبق لي وأن كتبت في مقال آخر حول >الدولة أو الحرب الأهلية<، أعتقد أن ما يحدث سياسيا وقانونيا وفكريا في ظل الفراغ الذي نعيشه، تمهيد واضح ومؤشر دقيق على الإنفجارات والصدامات القادمة· وما يعزز هذا الاتجاه الثقيل هو التواطؤ العام بالصمت والإنتظار·· إنتظار أن تولد الفوضى النظام · للسلطة السياسية في الجزائر تقاليدها في الإعتداء على حرمة القانون وخرق الدستور منذ الاستقلال، مما يوضح حقيقة أننا في غنى عن أي دستور مادامت الأجهزة والعصب تعوض النصوص والأشخاص يجسدون المؤسسات· وبصريح العبارة، متى كان دستورنا حماية لحقوقنا وحرياتنا؟ ومتى كان حاجزا أمام التزوير الإنتخابي؟ ومتى كان فصلا حقيقيا بين السلطات؟ ومتى كان رادعا لكل تعصب ديني أو عرقي أو لغوي؟ ومتى كان تكريسا فعليا لملكية الشعب ومن خلاله الدولة للثروات الظاهرة والباطنة؟ ومتى كان لغة مشتركة بيننا ومرجعا موحدا للفصل في نزاعاتنا الكبرى؟ ومتى اكتفى كل بصلاحياته واحترم صلاحيات الآخرين؟ يجب أن نعترف جميعا أننا لم نرتق بعد إلى ثقافة الدولة·· سلطة وأحزابا ومجتمعا، وأننا لم نع، أربعين سنة ويزيد، منذ الاستقلال أن الدولة لا تعني القبيلة والعرش والجهة، وأن إدارة الحكم لا تعني الفردانية والشخصانية أو الأنا المرضي والمزاج الظرفي والتعظيم والمجاملة · إن قيمة الإستقلال في بناء دولة المؤسسات وسلطة القوانين وروح التعايش بالتشريعات·· كما أن لذة التحرر في فقه الحرية وعدم الرجوع للإستعباد · فهل بعدما عشناه من انقلابات وحرب أهلية وتفكك اجتماعي مازلنا نعتقد أن الإصلاح يمر عبر النصوص فقط؟ وأن الدولة تبنى على الورق وبالخطب في المحافل؟
يبدو لي أن أمراضنا والعطب الذي لحق بمحركنا أعمق بكثير من الإجتهادات الميتة في سرايا السلطان· إننا بحاجة إلى تطبيب حقيقي وثورة
معرفية شاملة في تربيتنا واقتصادنا وسياستنا وديننا وسلطتنا الهدف منها بناء وعي مختلف لجزائري آخر غير هذا الذي نحن عليه في إدراكه وعلاقته بالحرية والقانون والمجتمع والدولة والعالم وعليه، لسنا بحاجة إلى دستور جديد، إنما إلى جمهورية ثانية حقيقية جديدة بنخب جديدة وآفاق جديدة ·
|
|
|