Mercredi 17 décembre 2008 3 17 /12 /Déc /2008 01:31


سيتصادم بالتأكيد سؤالي هذا مع جملة الأطروحات الرسمية والحزبية والإعلامية الرامية إلى مراجعة الدستور الحالي الذي جاء بعد مراجعة للدستور الذي سبقه الذي عرف هو أيضا بدوره إثراءً ومراجعة·· إنه أدب المراجعات ومراجعة المراجعات ·

لسنا، كمواطنين بسطاء، دأبت السلطة ومن والاها على تحويل عقولنا وأجسادنا إلى حقول تجارب، بحاجة أن نكون فقهاء دستوريين أو تلامذة عند موريس دي فرجيه أو عبد الرزاق السنهوري، حتى نعرف أو نستنتج أن أزمتنا ليست في الدساتير أو القوانين· كما أننا لسنا بحاجة أن نكون >خياطين إيطاليين< حتى ندرك أن التعديلات الدستورية كلها ليست للجزائر إنما لواضعيها على المقاس بالفاصلة والنقطة والفقرة والمادة ·

والحقيقة أن واقعنا يتجاوز بكثير مرجعياتنا القانونية كونها ليست نابعة عنه·· كما أن قوانيننا أكبر من مسنيها ومن يفترض فيهم القيام بتنفيذها· ولذلك فسوسيولوجيا الواقع والأزمة أهم من الخطابات المرضية للساسة، وديناميكية المجتمع على فوضاه أعمق من برودة القوانين والتشريعات الجامدة· ولذلك، ظل سؤال الدستور مطروحا، بوصفه رمزا >للقانونية والشرعية<، من زاوية ما يريده النظام الحاكم وليس أبدا ما يرتضيه الشعب كمصدر وهمي أول للسلطات ·

إن الدستور بوصفه روح الأمة تعبير عن ارتقاء ثقافي وسياسي مجتمعي وليس ارتجالا سلطويا متكررا· إنه فضاٌّء القيم والحريات والثوابت وحقول الإجماع وفرص التعايش بين الأفراد والأحزاب والدولة وليس الخروقات والانتهاكات·· إنه شرعية وسلطة الشعب على الأجهزة والمؤسسات والأفراد ومرجعية الأمة في خياراتها وإدارة حكمها·· إنه، أي الدستور، بوجيز القول جملة القوانين الأساسية التي تحدد شكل ونوع النظام السياسي، وتدير العلاقات الطبيعية والإستثنائية في السلم والحرب بين ذات النظام والمجتمع والمحيط الخارجي علاوة على تنظيم وظائف وصلاحيات السلطات العمومية ·

وإذا كان الأمر كذلك، ولا أعتقد أن هناك من يخالف هذا التعريف المعجمي القانوني، فأيهما أهم صياغة دستور مثالي أم احترامه وتنفيذه؟ وأيهما أخطر على كيان الدولة مخالفة الدستور أو تجميده أم نقائصه؟

إن الدولة التي تضطر دائما للتكيف مع انحرافات السلطة بل وتخضع لها روحيا وقانونيا لا يمكن أن تستمر أو أن تعامل على أنها كذلك داخليا وخارجيا·· لأنها ستظل مهزوزة الدعائم مرهونة بالظروف والإتجاهات والمصالح·· ستنهار لا محالة على المستوى الرمزي وفي المخيال الاجتماعي وكذلك تنظيميا وإجرائيا حتى وإن كانت من الناحية الشكلية تمتلك >مؤسسات< و>قوانين< و>دستورا<، فمشكلة السلطة والأحزاب والحريات والشعب ليست بسبب >الدستور< أو غياب النصوص الفقهية·· إنما بسبب القائمين عنوة على نظام الحكم ·

إن الذين يتحدثون اليوم عن ضرورة مراجعة الدستور لا ينطقون من خوفهم على >المصدر الأول< للقوانين في البلاد ولا على الدولة ذاتها·· إنما يبحثون عن آليات أخرى لتعزيز شكل السلطة الحالية وتوفيرها على جسر قانوني نحو المستقبل المفتوح على كل الرهانات· وهم بذلك لا يكسرون شوكة الدولة فقط إنما يجعلون من الدستور القادم غطاء لفساد اليوم·· وهو بالكاد مبرر كاف لكل أشكال >الإنقلاب السياسي والدستوري< مستقبلا ·

وكما سبق لي وأن كتبت في مقال آخر حول >الدولة أو الحرب الأهلية<، أعتقد أن ما يحدث سياسيا وقانونيا وفكريا في ظل الفراغ الذي نعيشه، تمهيد واضح ومؤشر دقيق على الإنفجارات والصدامات القادمة· وما يعزز هذا الاتجاه الثقيل هو التواطؤ العام بالصمت والإنتظار·· إنتظار أن تولد الفوضى النظام ·

للسلطة السياسية في الجزائر تقاليدها في الإعتداء على حرمة القانون وخرق الدستور منذ الاستقلال، مما يوضح حقيقة أننا في غنى عن أي دستور مادامت الأجهزة والعصب تعوض النصوص والأشخاص يجسدون المؤسسات· وبصريح العبارة، متى كان دستورنا حماية لحقوقنا وحرياتنا؟ ومتى كان حاجزا أمام التزوير الإنتخابي؟ ومتى كان فصلا حقيقيا بين السلطات؟ ومتى كان رادعا لكل تعصب ديني أو عرقي أو لغوي؟ ومتى كان تكريسا فعليا لملكية الشعب ومن خلاله الدولة للثروات الظاهرة والباطنة؟ ومتى كان لغة مشتركة بيننا ومرجعا موحدا للفصل في نزاعاتنا الكبرى؟ ومتى اكتفى كل بصلاحياته واحترم صلاحيات الآخرين؟

يجب أن نعترف جميعا أننا لم نرتق بعد إلى ثقافة الدولة·· سلطة وأحزابا ومجتمعا، وأننا لم نع، أربعين سنة ويزيد، منذ الاستقلال أن الدولة لا تعني القبيلة والعرش والجهة، وأن إدارة الحكم لا تعني الفردانية والشخصانية أو الأنا المرضي والمزاج الظرفي والتعظيم والمجاملة ·

إن قيمة الإستقلال في بناء دولة المؤسسات وسلطة القوانين وروح التعايش بالتشريعات·· كما أن لذة التحرر في فقه الحرية وعدم الرجوع للإستعباد ·

فهل بعدما عشناه من انقلابات وحرب أهلية وتفكك اجتماعي مازلنا نعتقد أن الإصلاح يمر عبر النصوص فقط؟ وأن الدولة تبنى على الورق وبالخطب في المحافل؟

يبدو لي أن أمراضنا والعطب الذي لحق بمحركنا أعمق بكثير من الإجتهادات الميتة في سرايا السلطان· إننا بحاجة إلى تطبيب حقيقي وثورة معرفية شاملة في تربيتنا واقتصادنا وسياستنا وديننا وسلطتنا الهدف منها بناء وعي مختلف لجزائري آخر غير هذا الذي نحن عليه في إدراكه وعلاقته بالحرية والقانون والمجتمع والدولة والعالم
·

وعليه، لسنا بحاجة إلى دستور جديد، إنما إلى جمهورية ثانية حقيقية جديدة بنخب جديدة وآفاق جديدة ·

 

 

Publié dans : المقالات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mercredi 17 décembre 2008 3 17 /12 /Déc /2008 00:17


  إن أكثـر ما يعيق التفكير الجاد والتحليل الهادف عاملان جغرافيان، أولهما الجهل المطلق بالمفاهيم الكبرى وإفساد مدلولاتها، ثم اعتمادها كمسلمات موضوعية لا تحتاج لأي نقاش أو تمحيص بل وستدرج في ''معجم المحاسب''، وثانيها وأد كل فكر مختلف يعتمد النقد والمكاشفة وتحطيم الأصنام، لأنه كما يعتقد انقلابي أو ''محوال' لقوى معادية'' أو ببساطة خارج عن الإجماع وتدنيس صارخ للمقدسات القائمة إلى حين·

وليسمح لي القارئ أن أزعم أن هذا ينسحب على معظم محركات الخطاب السياسي والثقافي في الجزائر، ولا أستعمل هنا مصطلح ''الخطاب'' إلا كأداة نقاش وأسلوب تواصل لأنه لأي أن يقول لي وهل هناك خطاب أصلا حتى تقرر ذلك؟

فبداهة وبقوة التقليد والواقع نحن ''دولة'' و''ديمقراطية'' و''اقتصاد'' سوق··· والخ، فلا حديث عن المرجعيات ولا عن التراكمات ولا عن علاقة هذه المفاهيم القيم بالبنى الاجتماعية والثقافية للإنسان الجزائري· وليس غرضي هنا التشكيك في ما حُسيم فيه ''فوقيا'' أو مجاراة ثقافية العدمية أو حتى التدريب على المصطلحات واشتقاق المقاصد وممارسة أوليات التربية الفكرية على المنهج وأدواته وتقويم اللسان العام وتجنيبه الوقوع في المزالق وتنبيه الغافل في أفلاك القيادة واتخاذ القرار· إن قراءتي أكثر تواضعا من ذلك كون مقصدي البسيط هو الإسهام في إرساء قواعد مفتوحة لـ ''سوق للأفكار'' من خلال الحوار والتفكير الجماعي والكتابة· فمثلا حينما نتحدث عن ''الدولة'' مازلنا حتى في الأوساط الجامعية والثقافية نخلط بين الدولة كقيمة وكمنظومة مؤسساتية بل وكنسق مشترك وبين السلطة كحراك سياسي وممارسة لآليات الحكم الراشد أو غيره أو كتكتلات وأحزاب وعصب· ما أبعد الدولة عن السلطة وعدم التمييز والفصل بينهما ليشكل خطرا محدقا وتهديدا صارخا على وجود الدولة ذاتها كوحدة أساسية في البناء الاجتماعي والسياسي·

والنقاش هنا أبعد ما يكون عن الاصطلاحات الفقهية القانونية والدستورية، لأنها فيما أرى لا تف الغرض من فلسفة الدولة··· فالإقليم والشعب مثلا ضروريان، لكنهما لا يكفيان لميلاد الدولة· كما أن الشعب ذاته لا يشكل نسق  ''المجتمع'' إلا في شبكة علاقاته الروحية والاجتماعية والسياسية، فالضرورة لا تقتضي الوجود، فالذي يحدد دلالة الدولة كما المجتمع، إذاً هي الأنساق المتجددة وشبكة العلاقات وأنظمة التواصل ضمن ديناميكية القيم المشتركة والفاعلة وعبقرية ذلك كله تتحول إلى كيمياء اجتماعية وتنظيم مؤسساتي ناجع·

إن الدولة عندنا ترمز في مخيالنا الاجتماعي إما إلى الاستعمار في مرحلة ما قبل الاستقلال الوطني أو إلى السلطة الحاكمة في مرحلة ما بعد التحرر، أي أنها ظلت ترمز إلى سلطة ما ربما اختلف شكلها وأسلوبها وجزء من هويتها، لكنها ظلت كذلك لم تتزعزع إلى يومنا هذا، مرد ذلك بتصوري يعود إلى عوامل تاريخية وأخرى سوسيو ثقافية، فالدولة عندنا ولدت كبيرة ومن ثم لم تعرف التطور الطبيعي الذي يمر به أي كائن كما أية فكرة، وأهم من ذلك أنها زرعت كعضو غريب على جسم تختلف تراكيبه وخصائصه الذهنية والنفسية والاجتماعية عن ذلك الخطاب الجديد الذي يريد إحكام القبضة على السلطة بعيدا عن ثقافة الدولة الناشئة·

 إن الدولة، كما الشعب كانت محتواة داخل السلطة متداخلة معها بل في خدمتها سياسيا ورمزيا، ولكل ذلك وحينما أسمع شعار دولة الحق عندنا (أفضل مصطلح الحق على مصطلح القانون لأن الحق قيمة، أما القانون فآلية تختلف باختلاف واضعيه ومنفذيه) ،أتساءل بجدية عن عمق العصاب السياسي و الثقافي الذي نعرفه ..عصاب عزلنا كلية ع واقعنا و حقيقتنا. 

 إن النضال من أجل إقامة دولة الحق رسالة نبيلة قاعدتها قيم المساواة والعدل والحريات الفردية والجماعية والمراقبة الفعلية لحيثيات ممارسة الحكم وإدارة الشأن العام.وذلك متوقف على مبدأ اولي و قاعدي هو ميلاد الدولة بالمفهوم الذي ذكرت آنفا·

وعليه، وبالنظر لإرثنا التاريخي وجغرافيتنا الثقافية، يبدو لي مبدئيا ضرورة الاجتهاد بالعمل الجماعي فكريا وتربويا وسياسيا من أجل إرساء الحق في الدولة كحق أساسي من حقوق الإنسان مثله مثل الحق في الحياة والتعبير. وقبل أي حديث رومانسي عن دولة الحق الغائبة، على الشعوب،ان كانت تريد خلاصا،أن تسترجع فكرة الدولة و رمزيتها من أنظمة الحكم الفاسدة..و تلكم هي الثورة الحقيقية.

 

 

Publié dans : المقالات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mercredi 17 décembre 2008 3 17 /12 /Déc /2008 00:11

 

لا يحتاج أي ملاحظ أو دارس لخطابنا العام أو سلوكاتنا المشتركة إلى كثير من الوقت أو عميق التحليل كي يدرك أننا نعاني فكريا وسياسيا ومن ثم سوسيولوجيا ونفسيا من جملة معقدة ومركبة من المفارقات والانفصامات· ولا أعتقد أننا نسطتيع بحق تجاوز تلك ''الأمراض'' التي طالت بنانا الذهنية والنفسية وحتى جهازنا المناعي الاجتماعي، إلاّ بثقافة الاعتراف وقبول التشخيص والعلاج الهادف· أما أداة ذلك فتكمن في تعدد فضاءات التفكير والحوار والتدافع والسجال الايجابي بعيدا عن الأحكام المسبقة وأحكام القيمة ومتعة الجلد والسادية وتشويه الآخر من أجل تحسين صورة الذات ''المريضة''·

إن التواصل عندنا غائب إلا لأغراض الإقصاء كما أن الاختلاف مغيب إلا في حالة البحث عن أي إجماع وهمي أوظرفي أو مصلحي، والاجماع ذاته لا يكون إلاّ فيما يمكن أن يثير الفتنة ويهيّج العصبيات الجهوية ويثير غرائز الجماعات والعصب والنعرات·

إن ديناميكية أمة ما لا تحددها بالنهاية خصائصها العامة التي ترسمها أنيتها أو لغتها أو تاريخها أو دينها·· بمعنى أن هذه المحددات تساهم في فعل التكوين والتشكل وليس بالضرورة في فعل صناعة التاريخ أو الحضارة· ومن ثم فالمحدد الرئيس، فيما أرى، هو المستقبل الجمعي للأمة من خلا ل إجابتها الواضحة عن سؤال ماذا تريد؟؟

أما الأخطر على كينونتها وماهيتها أن تتحول تلك المحددات الأساسية التي تشكلها إلى معاول هدم ومصادر انقسام وحرب أهلية وحينها ينتهي المستقبل قبل ولادته ويتعطل العقل وتحتل الماضوية والارتجال المواقع الأولى وتنقلب القيم وتتحرك قوى الجمود والفساد·

إن سؤال ''ماذا نريد؟'' يكشف جوهر أزماتنا من حيث أبعادها البنيوية علاوة على تعريته لعدم القدرة العملية والبراغماتية على فعل التغيير·· ولذلك نرى مظاهر التكيف مع التخلف والغثائية في السلوك والارتكاس أكثـر من حيوية التفكير والتنوير والتغيير الكلي أو الجزئي· وإنطلاقا من هذا يمكننا التحديد الرمزي لتلك المرضية وذلك الانفصام من خلال الثنائيات المتناقضة والمفارقات الناجمة عنها· إن التحليل سوسيو ـ نفسي وانتربولوجي ملازم لكيفيات تشكل الوعي والمخيال الفردي والجماعي في ثقافتنا المتعددة الأحاديات· أما ''السياسي'' و''الاقتصادي'' وحتى ''الـعنف'' فانعكاس وظيفي لأركيولوجيا معرفتنا بالذات وبالآخر·· إننا أصبحنا كالمغارات التي نشأت بفعل الطبيعة والجيولوجيا·· أهم ما فيها رواسبها والفراغ الرهيب الذي يتولد عنها·

ماذا نريد من الفرد؟ ماذا نريد من المدرسة؟ ماذا نريد من الدولة والسلطة؟ وماذا نريد من التاريخ ومن الدين؟ ماذا نريد للجمهورية وللجزائر؟ ماذا تريد النخب السياسية والأحزاب والمؤسسة العسكرية والمجتمع المدني؟ وماذا نريد للجزائر كجغرافيا ثقافية وسياسية مشتركة؟ الخ·· من الأسئلة التي يجب الإجابة الجماعية عنها إذا ما أردنا العيش معا·

أضف إلى ذلك، خضوعنا للغة كدال مناهض للمدلول·

فنحن نريد نظاما جمهوريا ولا نربطه بالشعب·· نريد دستورا متطورا لكن لا نحترمه وندنس أسسه وروحه·· نريد الديمقراطية ونكفر بنتائجها وبالاختلاف والتعدد بل ونساهم في التزوير·· نريد مؤسسات فاعلة لكن نبني بجوارها أو فوقها مؤسسات موازية تصل حد الحكومات والهيآت التشريعية·· نريد جامعة متطورة منتجة لكن لا نحترم العقول وأهل العلم·· نريد اقتصادا حرا بدون حرية المبادرة أو تحرير للمصارف أو حماية للمستثمرين الحقيقيين·· نريد ثروة بالريع بدون أي جهد أو إبداع·· نريد إسلاما مستنيرا وهوية غير دوغمائية بالجهلة والمتطرفين وأساليب التكفير والترهيب والإقصاء·· نريد إنسانا حرّا وسيدا بدون حريات وثقافة بدون مثقفين وإعلاما بدون مهنيين وسياحة بدون خدمات وهكذا··

إن حقيقة ما يحدث لنا، كما أرى، تعبير عن تفسخ ومرضية في رؤيتنا وتمثلاتنا للواقع من خلال ما يجب أن يكون وليس ماهو عليه الأمر نفسه ينطبق على قراءتنا للماضي واستشرافنا للمستقبل·.

 
Publié dans : المقالات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mercredi 17 décembre 2008 3 17 /12 /Déc /2008 00:08


أولا، أريد أن أوضح أن ''الإدارة بالفساد'' ليست هي، فيما أريد الوصول إليه بالتحليل، ''إدارة الفساد'' أو ''الإدارة الفاسدة'' أو''فساد الإدارة'' ·· حتى وإن كانت جميعها متداخلة فيما بينها في الدلالات والآليات· كما أن مصطلح ''الإدارة'' هنا لا أقصد به الأجهزة التنظيمية والمؤسساتية والقانونية أي الهياكل والتشريعات إنما ''علم أو فن التسيير'' أو ما يعرف بـ''الماناجمنت''·

وموضوع الإدارة بالفساد، أهم في نظري من كل زوايا القراءة لأنه أصبح شكلا جديدا من أشكال الحكم والفلسفة السياسية، خصوصا في المجتمعات التي تأصل فيها التخلف وأصبح إيديولوجيا قائمة بحد ذاتها· وحتى نفهم جيدا جوهر الإدارة بالفساد، يجب قبل ذلك أن نفهم لماذا تفشل كل محاولات ما يعرف بالاصلاح·· إصلاح الدولة بمختلف ما يفترض أنها مؤسسات· كالقضاء والجيش والتشريع والتعليم والإعلام والاقتصاد··الخ·

إن إصلاح دولة ما أصعب بكثير من تأسيسها خصوصا إذا تم ذلك داخل الأنساق التي يجب إصلاحها· فمن يفكر في إستراتيجيات الإصلاح ومن يقوم بالتنفيذ ومن يسهر على المتابعة ومن هو الذي يوفر المناخ المواتي وماهي أدوات حماية الإصلاح ذاته؟ أسئلة حقيقية يجب معرفة الإجابة عنها قبليا حتى لا يتحول مشروع التحديث والاصلاح إلى غطاء للفساد وصناعة للوهم ومن ثم مخبرا مفتوحا للإحباط الجماعي·

فالفكرة الجيدة تحتاج أساسا إلى وسائل تنفيذها وحنكة منفذها وذلك لايكفي كونه يحتاج إلى محيط وتربة خصبة تنمو فيها وتؤتي أكلها· يضاف إلى هذه العناصر مجتمعة نظام حماية فعال يستطيع أن يدافع عن الفكرة ويعتني بها· وعليه، فإن كل إدارة لأي مشروع خاصة إذا ما تعلق الأمر بكيان المجتمع والدولة معا، تحتاج علاوة على ما سلف ذكره، إلى تصور واضح وبراغماتي للأهداف ورؤية مستقبلية مدروسة تجنبا لثقافتي الوهم والارتجال·

وبصفة عملية، يحدد عاملا الكفاءة والمراقبة كآليتين ضروريتين، مسار وفعالية المشروع· وكلاهما يحتاج، فيما أرى إلى معامل الحرية المؤسساتية في صناعة القرار واتخاذه ومتابعة تنفيذه ونتائجه دون تقية أو خوف من أية  سلطة قاهرة أوقوى خفية·

إننا متخلفون·· وما يزيد من تخلفنا تركيبا وتعقيدا إعتمادنا على ميكانزماته وأنساقة رواسبه كطرائق لإدارة الفكر والسياسة والاقتصاد· وتلكم هي الإدارة بالفساد!

فهل يعقل تسيير شؤون المال والبنوك والمشاريع الاقتصادية الضخمة اليوم بأدوات التوجيه الاشتراكي ومركزية القرار ومنطق السبعينيات؟ وهل يمكن بناء نخب علمية وأكاديمية جديدة بفكر''الجمهرة'' والظن؟و هل يمكن إحلال العدل وإقرار سلطة القضاء وروح القوانين وسيف الحجاج فوق رأس كل  قاضي حر ونزيه وهل فعلا يتحقق إصلاح التعليم بالفشل أو بانتحال التجارب ؟وهل تكون الإدارة الناجعة و الحكم الرشيد بدون شفافية''مساعلة'' مساءلة؟ وهل تنجح أي إدارة بدون تواصل أو حوار أو سجال يهدف إلى الصالح العام؟!

إن إدارة التخلف والتكيف معه هي إدارة الفساد بالفساد· ومحاولة تغييرها تحتاج إلى ثورة فعلية على الذهنيات المريضة التي اكتسبت بفعل التراكمات والمصالح مناعة قوية ضد كل تنوير أوتحديث أوإصلاح· والقطائع لن تتم إلا بالبتر إن آجلا أو عالجا إما بفعل داخلي تقوده نخب مستنيرة أوبفعل الشارع المأزوم والمفتوح على كل أشكال الأدلجة بصالحها وطالحها·

إن الإدارة بالفساد تقتل الذكاء والابداع والقيم والقدرات والمؤسسات ومن ثم المجتمع ككل· وإذا ما تجذرت، فإن تحطيم الذرة سيكون أهون من تغيير ذهنياتها· أما فكرة أولئك الذين ولدوا في الأحادية والريع والتي تعتقد أن الاحتياطي من الصرف كفيل بالنمو والتطور والتغيير فإنها لن تزيدنا إلا تخلفا وفسادا·

إن الحرية اليوم أساس المعرفة والمعرفة هي ذاتها القوة وركيزة سياسة الأمم· فلا مناص من فتح الأبواب للعقل والخبرة والرأي البديل من أجل حسن إدارة الواقع وترتيب المستقبل بشكل مختلف·

 

Publié dans : المقالات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mercredi 17 décembre 2008 3 17 /12 /Déc /2008 00:05


حينما نفكر الدولة نكون قد تصالحنا معرفيا مع جملة من القيم والأعراف وباشرنا ترجمتها إلى منظومات مؤسساتية أساسها روح القوانين والأخلاق الجمعية·· أي أننا ننتقل بها من مظهرها الفيزيائي الصلب إلى جوهرها الكيميائي الغازي·

وإذا لم تكن المقاربة كذلك ولم يكن الدفاع عنها كقيمة مؤسسية، فإنها سرعان ما تتحطم على محراب السلطة·

فإذا كانت السلطة هي فضاء المنافسة والتدافع والفتنة والتصادم حد الحرب الداخلية، فإن الدول هي المقياس الوحيد على قدرة ''الأنا'' على التعايش والتسامح في ظل الاختلاف الإيديولوجي، ولذلك، من حق مجتمعاتنا بل ومن واجبها ''استرجاع'' روح ورمزية الدولة من أنظمة الحكم والسلط المختلفة·

إن حديثي عن الدولة بهذه المعاني والدلالات يكسبها جهازا مناعيا ضد ''السلطة'' الزاحفة ويؤمن أكثـر المجتمع والأفراد من ألاعيبها وانحرافاتها ويجعل من المستقبل ديناميكية حقيقية انطلاقا من فلسفة الدولة وقيمها مقابل ثقافة ''الأمر الواقع'' التي تفرضها آليات السلطة السياسية التي غالبا ما تتنافى والدولة·

إن الدولة والمجتمع ضحية كليهما لتمظهرت السلطة ومفارقاتها سواء أكانت عصبا أو تنظيمات حزبية أو قوى ضاغطة عسكرية أو مدنية أو متحالفة في إطار من تقاسم للأدوار والمصالح· وعليه فالسلطة مشتلة حقيقية لزراعة وتهييج الغرائز بينما الدولة تهديب للأخلاق وتعال عن الأنيات والأنانيات·

إن الفرق بين مجتمعات الدولة ومجتمعات السلطة يكمن أساسا في درجات الهري والتفكك والحروب الأهلية والفساد ''والقابلية للاستعمار'' وعدم القدرة على الانتقال من مرحلة الطبيعة إلى مرحلة الثقافة·

وأخطر من تلك الفروق ألا تفرق بين ''الآلة الجهنمية'' للسلطة والقيمة المتعالية للدولة أو أن تصبح صورة وماهية الدولة لصيقة بالسلطة إن لم تكن جهازا من أجهزتها·

لقد انتقل التناحر على السلطة من مستوى الأفراد و''الزعامات'' والجماعات ''تحت غطاء شرعيات  الخلاص أو الدفع أو الثورة·· إلى مستوى المؤسسات ذاتها· بمعنى أن الدولة بما تحويه من قليل المؤسسات القائمة أصبحت توظف كأداة حرب ضد نفسها·· ولا أجد أوضح من القول إن المؤسسات الجمهورية ذاتها تعرقل وتعلن الحرب على بعضها البعض خدمة لمآرب هذه الجماعة في السلطة أو تلك·· لقد أصبحت الدولة ضد الدولة·· والخدمة العمومية ضد الخدمة العمومية·· وما أخطر ما انتهينا إليه!!

ماذا سيبقى إذا من الدولة، ما هو مآلها وكيف يمكن للمجتمع أن يحتمي بها؟؟ وإلى متى يسمع للأفراد، أيا كانت وظائفهم وسلطاتهم وقواعدهم الخلفية، أن يجعلوا من الدولة من خلال هذه المؤسسة أو تلك أن تكون عدوا للدولة؟!

فهل يعقل أن تمارس مؤسسة ما سياسة الأرض المحروقة على حرمة الجامعة·· وهل يعقل أن تخنق مؤسسة أمنية ما بقوة الردع والتخويف مؤسسات أخرى؟ أليس من الجنون أيضا أن تجهز مؤسسة تنفيذية على كل المؤسسات المنتخبة؟؟ وهكذا·· إن الفيروس قد طال الجسد الرئيس في البلاد ولن يتوقف حتى يجهز عليه نهائيا، فماذا نحن فاعلون ومن يحمي الدولة من أعدائها وحتى من مؤسساتها؟؟

إني لا أعتقد البتة في أي إصلاح للدولة بآليات السلطة أو في شخصنة الدولة مهما كانت القداسة أو الرمز، فكما كان تحرير البلاد من الاستعمار، يجب تحرير الدولة من السلطة!

ومن هذا المنطق، ينبغي أن يكون ''إصلاح الدولة'' إصلاحا قبل كل شيء للسلطة بدمقرطتها وفتحها على التداول والمنافسة النزيهة والحريات الأساسية· إن إصلاح السلطة أو القطيعة مع ثقافة الانقلاب والاحتكار والإقصاء والعصبوية والجهوية واللاشرعية واللاقانونية، بناء حقيقي للدولة وتكريس عملي لروحها وأهداف وجودها في الإدارة والأمن والقضاء والتشريع· أما ما خلاف ذلك، فتعزيز للسلط ودفن للدولة!


Publié dans : المقالات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires

Présentation

Créer un Blog

Recherche

Calendrier

Juin 2012
L M M J V S D
        1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30  
<< < > >>
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus